مجمع البحوث الاسلامية

709

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والكلام مندرج تحت القول ، فليس التّعجّب منه سبحانه ليقال : ليس المراد منه حقيقته لاستحالته عليه تعالى ، بل المراد أنّ ذلك أمر عظيم ، من شأنه أن يتعجّب منه ، كما قيل . ولا يمتنع صدور التّعجّب من بعض صفاته سبحانه وأفعاله عزّ وجلّ حقيقة من غيره تعالى . وفي الحديث : « ما أحلمك عمّن عصاك ، وأقربك ممّن دعاك ، وأعطفك على من سألك » ولهم في هذه المسألة كلام طويل ، فليرجع إليه من أراده ، ولابن هشام رسالة في ذلك . وأيّا ما كان ففيه إشارة إلى أنّ شأن بصره تعالى وسمعه عزّ وجلّ - وهما صفتان غير راجعتين إلى صفة العلم - خارج عمّا عليه بصر المبصرين وسمع السّامعين ، فإنّ اللّطيف والكثيف والصّغير والكبير والجليّ والخفيّ والسّرّ والعلن على حدّ سواء ، في عدم الاحتجاب عن بصره وسمعه تبارك وتعالى ، بل من النّاس من قال : إنّ المعدوم والموجود في ذلك سواء ، وهو مبنيّ على شيئيّة المعدوم ، والخلاف في ذلك معلوم . ولعلّ تقديم ما يدلّ على عظم شأن بصره عزّ وجلّ لما أنّ ما نحن بصدده من قبيل المبصرات ، والأصل : أبصر وأسمع ، والهمزة للصّيرورة لا للتّعدية ، أي صار ذا بصر وصار ذا سمع . ولا يقتضي ذلك عدم تحقّقهما له تعالى ، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا ، وفيهما ضمير مستتر عائد عليه سبحانه ، ثمّ حوّلا إلى صيغة الأمر ، وبرز الضّمير الفاعل لعدم لياقة صيغة الأمر لتحمّل ضمير الغائب ، وجرّ بالباء الزّائدة ، فكان له محلّان : الجرّ لمكان الباء ، والرّفع لمكان كونه فاعلا ، ولكونه صار فضلة صورة أعطى حكمها ، فصحّ حذفه من الجملة الثّانية مع كونه فاعلا ، والفاعل لا يجوز حذفه عندهم . ولا تكاد تحذف هذه الباء في هذا الموضع إلّا إذا كان المتعجّب منه « أن وصلتها » نحو : أحسن أن تقول ، وهذا الفعل لكونه ماضيا معنى ، قيل : إنّه مبنيّ على فتح مقدّر منع من ظهوره مجيئه على صورة الأمر ، وهذا مذهب سيبويه في هذا التّركيب . قال الرّضيّ : وضعّف ذلك بأنّ الأمر بمعنى الماضي ممّا لم يعهد ، بل جاء الماضي بمعنى الأمر ، كما في حديث : اتّقى اللّه امرؤ فعل خيرا يثب عليه ، وبأن صار ذا كذا ، قليل . ولو كان ما ذكر منه لجاز : ألحم بزيد وأشحم بزيد ، وبأنّ زيادة الباء في الفاعل قليل ، والمطّرد زيادتها في المفعول . وتعقّب بأنّ كون الأمر بمعنى الماضي ممّا لم يعهد ، غير مسلّم ألا ترى أنّ ( وكفى به ) النّساء : 50 ، بمعنى اكتف به ، عند الزّجّاج . وقصد بهذا النّقل الدّلالة على أنّه قصد به معنى إنشائيّ وهو التّعجّب ، ولم يقصد ذلك من الماضي ، لأنّ الإنشاء أنسب بصيغة الأمر منه ، لأنّه خبر في الأكثر ، وبأنّ كثرة « أفعل » بمعنى صار ذا كذا ، لا تخفى على المتتبّع ، وجواز ، ألحم بزيد ، على معنى التّعجّب لازم ولا محذور فيه ، وعلى معنى آخر غير لازم . نعم ما ذكر من قلّة زيادة الباء في الفاعل ممّا لا كلام فيه ، والإنصاف أنّ مذهب سيبويه في هذه المسألة لا يخلو عن تعسّف . ومذهب الأخفش وعزاه الرّضيّ إلى الفرّاء : أنّ « أفعل » في نحو هذا التّركيب أمر لفظا ومعنى ، فإذا قلت :